محمد أبو زهرة

3375

زهرة التفاسير

بين اللّه تعالى حال المشركين ، وما هم عليه ، وذكر العذاب الذي يستقبلهم في الدنيا والآخرة ، ثم بين حال المؤمنين ، ثم يدعو سبحانه إلى استمرار المؤمنين في الجهاد ، غير وانين ولا مقصرين . والخطاب في الآية للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وللمؤمنين معه ، وكان الخطاب للنبي ابتداء ، لأنه القائد الأعلى ، ولأنه الهادي والمرشد ، والموجه ، جاهِدِ معناها ابذل الجهد في دفع الكفار والمنافقين الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام بألسنتهم ، ويقولون آمنا بأفواههم ، وما هم بمؤمنين ، ولا شك أن بذل الجهد في دفع الكفار والمنافقين يختلف ، فالكفار الذين أعلنوا الكفر وفتنوا المسلمين يكون جهادهم دفعا بالسيف والقتال ، والكفار الذين لم يعلنوا الكفر وأبطنوه ، ولم يفتنوا المسلمين بالإيذاء والتعذيب . . كان يفعل ذلك المشركون في مكة ولكنهم يثيرون الفساد ، والدس والفت في عضد المؤمنين فدفعهم يكون بدفع أذاهم وشرهم ، ومقاومة ما يبثونه في المؤمنين من تضليل ، وأن يبعدهم عنهم ، وبطلان ما يدعون إليه ، وإقامة الأدلة عليهم ومنع تأثيرهم ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « جاهدوا المشركين بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم » ، ولا شك أن الجهاد باللسان له مقامه في جهاد المشركين ، وأشد ما يكون تأثيرا في جهاد المنافقين . ومن جهاد المنافقين ألا يبش لهم ، حتى يطمعوا في خداعه ، بل يشعرهم بأنه في حذر منهم ، ويقول ابن مسعود : يستنكر أفعالهم بيده ، فإن لم يستطع فباكفهرار وجهه . وفي الجملة يسد عليهم باب خديعتهم ، وقال الحسن البصري : إن جهاد المنافقين بإقامة الحدود ، وذلك على أساس مذهبه من أن مرتكب الكبيرة